ت. ميلادي: 27/12/2020
المصدر: القبس (1219 كلمة)
الصفحة: 17
العدد: 16983
العنوان: «الشال»: خفض النفقات العامة.. وزيادة الإيرادات.. والاقتراض 3 لاءات «تُلهب» حريق المالية العامة
النص:
«الشال»: خفض النفقات العامة.. وزيادة الإيرادات.. والاقتراض  3 لاءات «تُلهب» حريق المالية العامة

من يفشل في الاستدارة المبكرة سيعاني  من أوضاع أشد قسوة
 فك الارتباط بالنفط ينجي الكويت  من الغرق في غياب الأمان الاقتصادي
ناصر صباح الأحمد  كان صائباً في اختيار الصين شريكاً لـ«التنمية»
دول النفط تمر بمنعطف مصيري.. وسفنها قد  لا تصل إلى مقاصدها

يجدد تقرير الشال تحذيراته بشأن عملية الإصلاح الاقتصادي في البلاد - والتي لن تحدث - إلا بقرار حصيف وسريع، خصوصاً أن العامل الحاسم في هذا الشأن سرعة القرار الجراحي ليؤتي أفضل ثماره، لاسيما أن فك ارتباط الدول بالنفط، ينجو بها من الغرق، وهو بدأته بعض دول الجوار كالإمارات والسعودية وقطر.


الكويت الجميلة، هي أكثر دول المنطقة إدماناً على النفط، حيث مازالت تتبنى إدارتها العامة إستراتيجيتين متناقضتين، واحدة للفكاك التدريجي عن الاعتماد على النفط، والأخرى إلى مزيد من الاعتماد عليه. وإدارتها العامة عاجزة عن إطفاء حريق المالية العامة، فلا هي قادرة على خفض النفقات العامة، ولا هي قادرة على زيادة إيراداتها غير النفطية، ولا هي قادرة على الاقتراض لمواجهة عجزها المالي، لأن القناعة العامة، هي أن حكوماتها ليست أهلا للحصول على أموال الاقتراض.
رحم الله «ناصر صباح الأحمد»، كان محقاً في اختيار الصين شريكاً في مشروع التنمية، فنهوضها السلمي وتحولها إلى قوة عظمى، سابقة غير مكررة في التاريخ المقروء، وكان محقاً في مشروع تنموي تنص مقدمته على ضرورة الفكاك التدريجي من التبعية للنفط، وكان محقاً عندما قدم بلاغاً حول فساد على أعلى المستويات وفقد منصبه، وكان محقاً في كسر قدسية إدارة الجينات والمحاصصة بالدعوة إلى إدارة محترفة لمشروع الشمال، وهو ما يفترض أن يعمم على كل إدارة البلد.
واستدل التقرير بنماذج لدول فاقت من كابوس الفقر وانحدار اقتصادها في غضون سنوات معدودة، باتخاذها قرارات جراحية سريعة لدرجة كسر المقدسات في سبيل الإصلاح الحقيقي حتى غدت ثاني أكبر اقتصادات العالم وقد تكون في الصدارة بلا منازع بعد سنوات قليلة، إذ عاد «الشال» بالذاكرة راوياً الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في الصين خلال ستينيات وسبعينيات القرن الفائت، حيث كان الناس جياعاً ومرضى، وبدلاً من التركيز على إطعامهم وعلاجهم، أعلنت الصين ثورتها الثقافية بنسبة مبررات الأوضاع المزرية إلى الانحراف عن النقاء الثوري الذي قاد ثورة عام 1949. ولأن الأيديولوجية لا تشبع جوعاً ولا تشفي مرضاً، ازدادت الأوضاع المعيشية مأساوية، ومعها ازداد القمع حتى طال الرفاق في قيادات الحزب الشيوعي ممن باتوا يتساءلون عن مدى نجاعة تلك الإجراءات التي زادت من آلام الناس.

لا مركزية الاقتصاد
في عام 1976 توفي الزعيم «ماوتسي تونغ» بما نزع القدسية عن قيادة الحزب، وفشل متشددون ضمنه بقيادة أرملة الزعيم وثلاثة آخرون عن الاستمرار في حمل الإرث الأيديولوجي وفرضه حلاً للوضع المعيشي المأساوي، وبحلول عام 1978، استلم القيادة دينغ شياو بينغ وفريقه، وتم اعتقال من أطلق عليهم عصابة الأربعة بمن فيهم الأرملة المقدسة، واتخذ قراراً جراحياً كان بمنزلة الكفر بمقدسات المدرسة «الماركسية»، فالضرورات تبيح المحظورات أو المحرمات، والقرار كان «لا مركزية الاقتصاد». عندما اتخذت الصين قرارها ذلك، كان حجم الاقتصاد الصيني بالأسعار الثابتة وفقاً لبيانات صندوق النقد الدولي نحو 1316 دولارا أميركيا، ونصيب الفرد فيه نحو 1370 دولارا، وكان إنتاجها الزراعي عاجزاً عن إطعام شعبها، يومها كان الاقتصاد الأميركي 5 أضعاف الاقتصاد الصيني، وعدد سكانها نحو ربع عدد سكان الصين.
لم تكتفِ الإدارة الجديدة بالنظر إلى أوضاعها المأساوية الداخلية، وإنما شملت نظرتها كل ما يسمى حينها بالكتلة الشرقية، وأدركت أنها كتلة آيلة للسقوط، وأن العامل الحاسم في حركة الإصلاح هو سرعة القرار الجراحي ليؤتي أفضل ثماره.
وبعـد سنة وبضع السنة من استدارة الصين، بدأت حركة «التضامن» في بولندا بثورتها الشعبية بقيادة ليش فاليسا وكانت أولى شرارات تداعي الكتلة، ولم يمض عقد بعدها حتى سقط حائط برلين وتفكك الاتحاد السوفيتي ومعه الاتحاد اليوغوسلافي وحتى تشيكوسلوفاكيا، وبينهم كل ما عداهم، كلهم أخطأوا توقيت قرار البدء بالإصلاح، حينها لم يكن يعوز الصين القوة العسكرية، ولا قوى الأمن الداخلي والواقع أن كل الكتلة الشرقية كانت متفوقة في الإثنين، ما أسقطهم هو بؤس الوضع الاقتصادي وتداعياته السياسية والاجتماعية.
وفي عام 2010، تخطى حجم الاقتصاد الصيني كلاً من اقتصادي ألمانيا واليابان ليصبح ثاني أكبر اقتصاد في العالم، ويتوقع له أن يبلغ نحو 13.2 تريليون دولار في عام 2020 أو عشرة أضعاف ما كان عليه في عام 1978، و%72 حجم الاقتصاد الأميركي، ثم يرتفع إلى نحو 18.5 تريليون دولار في عام 2025، وفقاً لتقديرات صندوق النقد الدولي أو نحو %89.8 حجم الاقتصاد الأميركي للعام نفسه، وإن استمرت معدلات النمو الحالية لكل من الاقتصاد الأميركي الأكبر في العالم والاقتصاد الصيني عند المستوى نفسه، فقد يفوق حجمه حجم الاقتصاد الأميركي في عام 2030، ليصبح أكبر اقتصادات العالم. «وبالحزام والطريق»، سوف تتفوق الصين بنفوذها على العالم على كل ما عداها بقوتها الاقتصادية الناعمة، فالصين استثمرت كل مواردها في البناء، ولم تخض حرباً واحدة منذ نهوضها قبل 42 عاماً.
3  عناصر للتفوق الصيني
سرعة القرار الجراحي بعد دراسة واعية لتداعيات المستقبل
تغيير جوهري جراحي في الإدارة
كسر ما يعتبر من المقدسات في الفكر الماركسي بتحرير الاقتصاد
عدد الفرص الضائعة ..
يتزايد

قال تقرير «الشال»: «نقيضاً لكل القواعد أو المرتكزات الصحيحة، لم تقرأ الكويت أو لم تفهم خطورة المنعطف التاريخي الذي تمر به، ويستمر عدد الفرص الضائعة بالتزايد، وأعادت تأكيد قدسية حكومات المحاصصة. وحكومة عاجزة عن إطفاء حريق، فمن البديهي أن تكون عاجزة عن المضي في مشروع استدارة وبناء».
وهن رياح النفط

عدد «الشال» عناصر التفوق الصيني والتي تتلخص في ثلاثة أمور:
الأول: سرعة القرار الجراحي بعد دراسة واعية لتداعيات المستقبل، وهو توقيت تأخر لدى شركائها في الكتلة الشرقية.
الثاني: تغيير جوهري جراحي في الإدارة.
الثالث: كسر ما يعتبر من المقدسات في الفكر الماركسي أو تحرير الاقتصاد، ولو قمنا بعمل مقاربة ما بين واقع الكتلة الشرقية في ذلك الزمن، وواقع دول النفط في وقتنا الحاضر، وعصر النفط في بدايات أفوله، نلحظ أهمية الاستدارة المبكرة أو توقيت القرار الذي قد يصنع الفارق أسوة لما آلت إليه الصين، وما آل إليه مستقبل شركائها، مع الجزم بأن من يفشل في الاستدارة المبكرة من دول النفط، سوف يعاني من أوضاع أشد قسوة. 
ومع اختلاف عوامل الحاضر ومآل الأوضاع في المستقبل عن دول الكتلة الشرقية، تمر معظم الدول النفطية بمنعطف تاريخي مصيري ليس بعيداً عن أوضاع الكتلة الشرقية في ثمانينيات القرن الفائت، فرياح النفط وهنت، وسفن دول النفط الشراعية التي عفا عليها الزمن لن تصل بها إلى مقاصدها، فسعر برميل النفط لسلة أوبك بلغ نحو 109.5 دولارات لمعدل سنة 2012، وإنتاجها للعام نفسه بلغ 30.5 مليون برميل يومياً، وعليه بلغت إيراداتها النفطية حينها نحو 1200 مليار دولار، بينما بلغ معدل سعر برميلها نحو 40.5 دولاراً ومستوى إنتاجها 25.6 مليون برميل يومياً، والتوقعات لإجمالي إيراداتها النفطية بحدود 323 مليار دولار للعام الجاري 2020 وفقاً لإدارة معلومات الطاقة الأميركية، أو نحو %27 من مستوى إيرادات عام 2012. صحيح أن السنوات القليلة المقبلة سوف تحقق مستوى إيرادات نفطية أعلى، ولكن منتهى الطموح هو أن تستقر أسعار النفط عند 60 دولاراً للبرميل، وسوف تشتد الضغوط بعدها لتهبط بالأسعار إلى ما دون هذا المعدل.

سرعة فك الارتباط

قال «الشال»: سوف تشتد التداعيات أيضاً بشكل متوازٍ، متناسبة طردياً مع ارتفاع اعتماد كل دولة نفطية على النفط. لذلك، أصبحت سرعة قرار فك الارتباط بالنفط هي ما يفصل بين الدول النفطية الناجية، وتلك الغارقة. وضمن جيران الكويت، ومن دون الخوض في عملية تقييم تجربة كل منهم، هناك دول بدأت مشروع الفكاك عن النفط، فالإمارات الأقل اعتماداً على النفط في تكوين اقتصادها وتمويل ماليتها العامة، وتملك أكبر إماراتها أبوظبي صندوقاً سيادياً قريباً من حجم الصندوق النرويجي. وبالأمس، أعلنت السعودية توقعات هيكل إيراداتها العامة لتبلغ مساهمة الإيرادات غير النفطية نحو %46.5 من جملة إيرادات الموازنة العامة لعام 2020، بينما قطر الصغيرة يفوق حجم اقتصادها بنحو %30 حجم الاقتصاد الكويتي، ولديها تعليم وخدمات صحية وبنى تحتية متفوقة. 
والصين كسرت مقدسات الفكر الماركسي في قرار استدارتها، لأنها عرفت متى وفي أي اتجاه تنعطف عند مفترق الطرق الذي وجدت نفسها فيه. وعلى النقيض تماماً، عجز العراق العريق والثري عن كسر قدسية المحاصصة، وبات على طريق الدولة الفاشلة. وعندما فشل رفاق الصين في الكتلة الشرقية، احتضنت أغلبيتهم أوروبا الغربية، بينما لا تتوافر شبكة أمان لاحتضان الفاشل من دول النفط من أضرار السقوط الحر.


التسلسل: 2756014